عماد الدين خليل

116

دراسة في السيرة

جدكم « 1 » قد جاء ! ! فخرجنا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ظل نخلة ومعه أبو بكر رضي اللّه عنه في مثل سنه ، وأكثرنا لم يكن رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل ذلك ، وازدحم عليه الناس وما يعرفونه من أبي بكر ، حتى زال الظل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقام أبو بكر فأظلّه بردائه فعرفناه عند ذلك » « 2 » . وقال البراء « جاء النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة في الهجرة ، فما رأيت أشد فرحا منهم بشيء من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، حتى سمعت النساء والصبيان والإماء يقولون : هذا رسول اللّه قد جاء . . قد جاء » « 3 » . وفي اليوم الثاني عشر من ربيع الأول ( 24 أيلول 632 م ) من السنة الثالثة عشرة للبعثة ، وصل الرسول وصاحبه يثرب حيث جرى لهما استقبال حافل من قبل أولئك الذين انتظروا رسولهم طويلا . . وها هي تكبيراتهم تشق أجواء الفضاء . . إنهم سيبدؤون معه ، وبه ، ومن أجله وأجل دعوته ، عهدا جديدا كتب لهم شرف وضع أسسه التي سيقوم عليها البناء . . الدائرة الثانية من دوائر الدعوة ، دائرة الدولة التي ستحمي المسلمين أفرادا وجماعات ، وستمنح الإسلام خطوات حاسمة وسريعة في طريق النصر . . فلا عجب أن يخرج الأنصار بأسلحتهم يستقبلون الرسول ، فها هم أولاء الجنود الذين سينضمون إلى إخوانهم المهاجرين ، وسيبنون معا ، بقوة العقيدة والسلاح ، الدولة التي ستصنع حضارة تشرف الإنسان ، في كل مكان ، وتباركه ، وتضعه موضعه الحق الذي أراده له اللّه عندما استخلفه ومنحه السيادة على العالمين . إن اليوم الثاني عشر من ربيع الأول هو نهاية حركة حاسمة من أجل إقامة ( الدولة ) لكنه في الوقت نفسه بدء حركة حاسمة أخرى من أجل تعزيز الدولة وإقامة ( الحضارة ) تماما كما كانت بعثة الرسول - في البدء - حركة صوب تكوين ( الإنسان ) صانع الدول والحضارات ! !

--> ( 1 ) الجد : الحظ . ( 2 ) ابن هشام ص 128 - 129 الطبري : تاريخ 2 / 381 - 382 ابن سعد 1 / 1 / 157 - 158 البخاري : تجريد 2 / 74 البلاذري : أنساب 1 / 263 خليفة بن خياط : تاريخ 1 / 11 - 12 . ( 3 ) ابن سعد 1 / 1 / 158 .